من تحت الأنقاض إلى الأمل: كيف تُعيد تربية النحل بناء الحياة في إغيل
في أعقاب الزلزال المدمر الذي ضرب إقليم الحوز سنة 2023، وجدت العديد من الجماعات الجبلية، ومنها جماعة إغيل، نفسها في وضع بالغ الهشاشة. فقد دُمِّرت المنازل، وتضررت سبل العيش، واختلّ النشاط الاقتصادي المحلي، لتواجه الأسر المتضررة تحديات كبيرة في إعادة بناء حياتها.
وفي هذا السياق، أطلقت جمعية أمل سلسلة من مشاريع استعادة سبل العيش، بهدف ألا يقتصر تدخلها على تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة فحسب، بل أن يساهم أيضًا في تعزيز قدرة الأسر المتضررة على الصمود، واستعادة كرامتها، وبناء مستقبل أكثر استقرارًا واستدامة.
وتجسدت هذه الرؤية في مشروع تربية النحل، وهو مبادرة لاستعادة سبل العيش صُممت لتكون مستدامة، ومجدية اقتصاديًا، ومنسجمة مع البيئة والثقافة المحلية للمناطق الجبلية التي تُنفَّذ فيها. ويُنفَّذ هذا المشروع بالشراكة مع أكشن ميديور (Action Medeor) ومؤسسة RTL.
“فحصٌ دوريٌّ لخلية النحل“
“الأسر المستفيدة في الميدان: يومٌ من العمل”
اختيار الأسر المستفيدة
قبل وصول أول خلية نحل، أمضى فريق جمعية أمل أسابيع في الميدان، متنقلًا بين المنازل، وجالسًا مع الأسر المتضررة للاستماع إلى قصصهم، وتقييم حجم الخسائر التي تكبدوها، واستكشاف مدى استعدادهم لبدء مرحلة جديدة من خلال تربية النحل كمصدر مستدام للدخل.
واعتمدت عملية الاختيار على مقابلات ميدانية منظمة مكّنت الفريق من تقييم الظروف المعيشية لكل أسرة، وحجم الأضرار التي خلّفها الزلزال، إضافة إلى مدى الجدية والاستعداد لتحمل مسؤولية إدارة مشروع لتربية النحل.
واستندت عملية الانتقاء إلى معايير واضحة وعادلة، جمعت بين مستوى الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية وحجم الاحتياج الفعلي. ومن بين جميع الأسر التي شملها التقييم، وقع الاختيار على ست أسر، تضم أكثر من ثلاثين فردًا، جميعها من أسر محدودة الدخل تعيش أوضاعًا هشة، وأبدت التزامًا حقيقيًا ورغبة صادقة في إنجاح المشروع.
ولم يكن الهدف مجرد اختيار مستفيدين للحصول على المساعدة، بل تحديد أشخاص يمتلكون الإرادة والعزيمة ليكونوا صُنّاع تعافيهم، وقادة رحلة إعادة بناء حياتهم بأيديهم.
“إجراء مقابلة مع أحد المستفيدين”
“فريق جمعية أمل أثناء تنفيذ الزيارات الميدانية“
بناء الأساس
بعد اختيار الأسر المستفيدة، انتقل المشروع إلى مرحلة توفير التجهيزات اللازمة، حيث تم اقتناء 60 خلية نحل مجهزة بطوائفها، إلى جانب جميع المعدات الضرورية لممارسة تربية النحل وفق الأساليب الحديثة، بما في ذلك خلايا لانغستروث (Langstroth)، والبدلات الواقية، والقفازات، وأغطية الرأس، والمدخنات، والمغذيات، وآلات استخراج العسل، وغيرها من التجهيزات الأساسية.
بعد ذلك، انطلقت مرحلة تدريب عملي مكثف، أشرف عليها خبير متخصص في تربية النحل، واستمرت لمدة شهرين. وخلال هذه الفترة، كان الخبير يتواجد يوميًا في الميدان، وهي فترة حاسمة تزامنت مع فصل الربيع، حيث تمر طوائف النحل بأدق مراحل تطورها الطبيعي وتحتاج إلى متابعة مستمرة. وتلقى المستفيدون تدريبًا عمليًا حول فحص الخلايا، وإدارة الملكات، وتغذية النحل، والمحافظة على صحة المستعمرات، ومكافحة الأمراض، وإنتاج العسل، وكانوا يعملون جنبًا إلى جنب مع الخبير لساعات طويلة كل يوم، مما أتاح لهم اكتساب الخبرة من خلال التطبيق المباشر.
وسرعان ما ظهرت نتائج هذا الاستثمار في التدريب، إذ ومع تنامي مهارات المستفيدين وثقتهم بأنفسهم، تمكنوا من توسيع نشاطهم من 60 خلية إلى 90 خلية نحل، من خلال إضافة صناديق علوية لزيادة القدرة الإنتاجية وتحسين مردودية المناحل.
ولم يقتصر المشروع على الجانب التقني فقط، بل حرصت جمعية أمل على تعزيز الجانب الريادي لدى المستفيدين، من خلال إشراك تعاونية إضافة (IDAFA)، المتخصصة في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، لتنظيم سلسلة من الورشات حول ريادة الأعمال، شملت إعداد المشاريع، وأساسيات التسويق، والعمل الجماعي، وإدارة العلاقة مع الزبناء.
فلم يكن الهدف من المشروع مجرد تكوين نحالين، بل إعداد رواد أعمال قادرين على إدارة مشاريعهم الخاصة، وتطويرها، وتسويق منتجاتهم، وتحويلها إلى مصادر دخل مستدامة تعود بالنفع على أسرهم ومجتمعهم.
“قد تسلب الكوارث منزلًا، أو مصدر رزق، أو حتى الشعور بالانتماء، لكنها لا تستطيع أن تسلب الأسرة قدرتها على النهوض من جديد إذا حظيت بالدعم المناسب، وأُتيحت لها الفرصة لرسم طريقها بنفسها. فأسر إغيل لم تكن مجرد متلقية للمساعدة، بل أصبحت هي من يقود رحلة تعافيها، ويصنع مستقبلها بيديه.”
ماذا بعد؟
اليوم، بلغ المشروع نحو 75% من مراحل تنفيذه، بينما تتواصل الزيارات الميدانية اليومية لمتابعة صحة طوائف النحل، ومراقبة إنتاجية الخلايا، وتقديم المواكبة التقنية المستمرة للمستفيدين. إنها قصة لا تزال فصولها تُكتب، خليةً بعد أخرى، وموسم حصاد بعد آخر، وأسرةً تلو الأخرى.
ويمثل هذا المقال أولى حلقات سلسلة توثق رحلة مشروع تربية النحل في إغيل. في المقال القادم، سنروي قصة أول موسم لجني العسل، وكيف نجحت الأسر المستفيدة في تحويل رحلة التعافي من الزلزال إلى مشروع مستدام، يبني مستقبلًا أكثر استقرارًا وازدهارًا.
